أبي منصور الماتريدي
448
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
--> - وهي حديث أسامة عند الشيخين ، وغيرهما بلفظ : « إنما الربا في النسيئة » ، وزاد مسلم عن ابن عباس « لا ربا فيما كان يدا بيد » . وأخرج الشيخان عن أبي المنهال : ( قال : سألت زيد بن أرقم ، والبراء بن عازب عن الصرف ؟ فقالا : ( نهى رسول الله صلى اللّه عليه وسلم عن بيع الذهب بالورق دينا ) . ووجه الدلالة في هذه الأحاديث : أن الرواية الأولى قد قصرت الربا المحرم على ربا النسيئة فقط ، والرواية الثانية نصت على نفي الربا عما إذا كان يدا بيد ، أما الرواية الثالثة فقد صرحت بأن النهي عن الربا في حالة الدين فقط ، ويؤخذ منه بطريق المفهوم إباحته عند المناجزة . المناقشة : وقد ناقش الجمهور أدلة المنسوب إلى ابن عباس ومن معه ؛ لعدة مناقشات منها : أ - لا نسلم أن لفظ الربا في الآية خاص ، بل عام أيضا ، فكما أحلت الآية كل بيع إلا ما أخرجه الدليل - حرمت كل ربا كذلك . ولا شك أن في ربا الفضل زيادة كربا النسيئة ، بل هي فيه أوضح ، ولذا سماه النبي صلى اللّه عليه وسلم ربا بقوله : « فمن زاد أو استزاد فقد أربى » ، فيكون مشمولا بالآية . ب - لو سلمنا أن لفظ الربا خاص بربا النسيئة ، فقد ألحقت السنة المشهورة به ربا الفضل ، وليس صحيحا كون الحديث خبر آحاد - كما يقول الرازي - بل هو مشهور يصح الاحتجاج به في الأحكام ، وتجوز الزيادة به على الكتاب عند الحنفية . ج - وأما رواية مسلم عن ابن عباس فموقوفة عليه . د - ورواية الشيخين عن أبي المنهال لا دلالة فيها على حل ربا الفضل : أما عند القائلين بعدم حجية المفهوم فظاهر ، وأما القائلون بحجيته فيخصصونه بحديث أبي سعيد السابق على أن هذا في كلام الراوي . ه - أجابوا عن حديث أسامة بعدة إجابات منها : أولا : أنه منسوخ ، وهذه إجابة ضعيفة ؛ لأن النسخ لا يثبت إلا بدليل تاريخي ، ولم يوجد . وأقوى من هذا الأجوبة التالية وهي : ثانيا : أن لفظ الربا في حديث أسامة محمول على الربا الأغلظ ، فليس القصر حقيقيّا ، بل هو إضافي ، أو ادعائي . ثالثا : أن مفهوم حديث أسامة عام ، يشمل حل التفاضل في هذه الأصناف ، وغيرها ، وحديث أبي سعيد خصص هذا المفهوم فمنع بمنطوقه التفاضل في الأصناف الربوية . وقريب من هذا ما أجاب به الشافعي - رضي الله عنه - من أن حديث أسامة مجمل ، وحديث أبي سعيد وعبادة مبين ؛ فوجب العمل بالمبين وتنزيل المجمل عليه . رابعا : وهناك تأويل آخر لحديث أسامة يجيب به بعض الفقهاء ، وهو أنه كان إجابة لمن سأل عن بيع الحنطة بالشعير ، أو الذهب بالفضة ، فنقل الراوي الإجابة ، ولم ينقل السؤال ، إما لعدم علمه ، أو لعدم اشتغاله بنقله . قال صاحب المبسوط : وتأويل حديث أسامة بن زيد - رضي الله عنه - أن النبي صلى اللّه عليه وسلم سئل عن مبادلة الحنطة بالشعير والذهب بالفضة فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « لا ربا إلا في النسيئة » ، فهذا بناء على ما تقدم من السؤال ، فكأن الراوي سمع قول رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ولم يسمع ما تقدم من السؤال ، أو لم يشتغل بنقله . يتبين جليّا من الأدلة السابقة ، وتوجيهها ومناقشاتها رجحان مذهب الجمهور . على أن ما نسب إلى ابن عباس ، ومن معه ثبت رجوعهم عنه ، ولم يصدر ابن عباس في هذا الرأي - الذي رآه أولا -